أحمد حافظ
أدى التساهل مع المتورطين في جرائم ختان الإناث في مصر إلى تنامي الظاهرة. ويرى حقوقيون أن دور المجلس القومي للطفولة والهيئات المعنية بمواجهة العنف الموجه ضد الأطفال لا يجب أن يقتصر على تلقي البلاغات السرية المرتبطة بالختان، بل معالجة مسببات الظاهرة دينيا وثقافيا، والضغط من أجل تطبيق القانون. ويساهم انتشار الأمية في صعوبة وصول الخطاب التوعوي إلى العديد من الأسر.
وأكد إعلان المجلس القومي للأمومة والطفولة في مصر عن إحباط عدة محاولات لختان الإناث أخيرا أن غياب الإرادة لتطبيق العقوبات المنصوص عليها في قانون مواجهة الختان أكبر عائق أمام تطهير البلاد من تلك العادة السيئة، مع الاعتماد على التصالح مع أسر تخطط لختان بناتها وعدم اتخاذ إجراءات صارمة.
وقال مجلس الطفولة إنه تلقى بلاغات تفيد باقتراب ختان ثماني فتيات بمحافظة أسيوط (جنوب مصر)، وأخطر النيابة العامة، التي منعت ذلك وأخذت تعهدات على أسر الفتيات بعدم ختانهن، لكن لم تتم محاسبة الأهالي على الفعل، رغم اعترافهن به، وهي نفس الأزمة في كل مرة، ويتوقف الختان دون مساءلة أو عقاب.
وتكرر البلاغ الذي تلقاه مجلس الطفولة في محافظة سوهاج (جنوب مصر)، وفعلت النيابة العامة الأمر نفسه بإلزام الأهالي بتوقيع إقرار يفيد بعدم إجراء ختان لبناتهن. وأكدت الأمين العام للمجلس القومي للطفولة سحر السنباطي أن البلاغات المقدمة مهمة في مواجهة وقائع الختان قبل حدوثها، وهذا لا يعني التهاون في المواجهة، لأن هناك إصرارا على تطبيق القانون والحسم.
وأثار عدم محاسبة أسر فتيات خططن للختان جدلا واسعا، حيث يضعف التجاهل قيمة التشريعات التي تعاقب على هذا الفعل وتجعلها عديمة الجدوى، ومن الخطأ أن تتراخى الحكومة في تطبيق قانون من المفترض أنه وضع كأداة ترهيب لأسر مقتنعة بالختان وتنفذه سرا، ثم مفاجأة الرأي العام بأن القانون لم يطبق رغم التخطيط للواقعة.
ومن النادر تطبيق عقوبات الختان في مصر بحكم السرية التي تفرضها الأسرة على العملية برمتها، ويصعب أن يبلغ الجيران عن بعضهم البعض لإيمانهم أن ذلك من الأمور الضرورية، ولم يشهد المجتمع المصري منذ تغليظ العقوبة سوى محاسبة أعداد بسيطة من الأسر تعرضت فتياتهن لإيذاء جسدي أو موت بسبب إجراء الختان.
وتصل عقوبة المتورطين في الختان في مصر إلى 20 عاما كحد أقصى وتبدأ من السجن 3 سنوات، وحال تفعيلها بشكل جاد سوف تنخفض المعدلات، لكن الأمر في حاجة إلى إرادة حكومية لإجبار الأسر التي لديها قناعات راسخة تجاه الختان بأنه فعل ينتهك جسد الفتاة، وأن الإصرار يقود إلى السجن المشدد.
ويعد ختان الإناث إحدى وسائل العنف الأسري المسلط على الفتيات المقيمات في مناطق ريفية، وتكمن المعضلة في أن الكثير من العائلات لا تعرف شيئا عن وجود قانون يجرّم الختان ويحبس الأبوين، وهناك أسر تخوض هذا التحدي بدافع أن الختان واجب ديني وعامل أساسي لتحصين الفتاة من الانحراف، وثمة فريق غير مقتنع بالختان ويراه تقليدا مجتمعيا.
ويكمن الجزء الأكبر من المشكلة في وجود شريحة من الأسر تسمع عن العقوبات ولا تخشاها، بقدر خوفها على مخالفة الدين الإسلامي بدعوى أنه يحث على الختان، وهي مشكلة تواجه الحكومة المصرية لنسف ما تبقى من معتقدات واهية حول الختان، لأنها تراخت في مواجهة المحرضين بدافع ديني ولم تحاسبهم قضائيا.
ومع أن هناك نصوصا تُحاسب على حث الناس على عادة الختان وتدفع أصحابها إلى الحبس، إلا أن الحكومة تركت الساحة أمام بعض المتشددين دينيا للوصول إلى عقول الأسر والإفتاء بأن الختان عفة وطهارة وفرض على كل أم وأب، مع أن هناك موقفا صريحا تبنته مؤسسات دينية، إسلامية ومسيحية، لتحريم ختان الإناث.
وتتعامل كل جهة رسمية في مصر مع الختان كأنه إبراء لذمتها دون أن تمارس المزيد من الجدية، فالحكومة أصدرت القانون واكتفت، والمؤسسة الدينية حرّمت الختان لتبرئة ساحتها أمام المنظمات الحقوقية، ثم توقفت عند هذه النقطة ولم تستكمل المهمة وتنزل بخطابها إلى مستوى الفئات البسيطة التي ظلت أسيرة لرأي ديني عشوائي.
ومن الصعب اكتشاف تخطيط بعض الأسر لختان الإناث بلا مساعدة بعض الأقارب والجيران، لكن العبرة في كيفية التعامل مع هذا التصرف بصرامة والكف عن التصالح في قضايا الختان،لأن الأسرة نفسها أقرت واعترفت بأنها تختن الابنة بالمخالفة للقانون، حيث يحمل الشروع في الخطوة اعترافا ضمنيا بالتجهيز لتنفيذها.
ويرى حقوقيون أن دور المجلس القومي للطفولة والهيئات المعنية بمواجهة العنف الموجه ضد الأطفال لا يجب أن يقتصر على تلقي البلاغات السرية المرتبطة بالختان، وبإمكان أيّ شخص أن يُبلغ الشرطة أو النيابة العامة، ودور تلك المؤسسات معالجة مسببات الختان، الدينية والثقافية، وتضغط من أجل تطبيق القانون.
ويبدو التعويل على الخطاب التوعوي الموجه للأسر إعلاميا أو من خلال المنصات الرقمية لا قيمة له، في ظل وجود قرابة 17 مليون شخص لا يجيدون القراءة والكتابة أو يصل إليهم الخطاب التوعوي الذي تتبناه مؤسسات معنية بمواجهة السلوكيات الخاطئة، ونفس الفئة تفتقر إلى المعلومات حول التشريعات التي تعاقب على الختان.
وإذا كانت الحكومة مقتنعة أن التشريعات مهما بلغت صرامتها يصعب أن تغير السلوكيات الأسرية الخاطئة، فهذا لا يعني تجاهل التطبيق لصالح الخطاب التوعوي الذي يلامس أفكار الشريحة المستهدفة وقناعاتها ومعتقداتها لتغيير تصوراتها تجاه الختان، إذ يصعب إقناع أحد بالإقلاع عن تلك العادة في غياب التشدد مع المتورطين، بالتوازي مع توعية الآخرين.
وذهب متخصصون في العلاقات الأسرية إلى أن التصالح في قضايا الختان يعمق الظاهرة، ويجري مع حوادث أخرى مثل التحرش والزواج المبكر، وهذه مشكلة حكومة تخشى الدخول في صدام مع شريحة من الأسر ولا تُظهر حسما أو تتمسك بتفعيل التشريعات بلا هوادة، لأن هناك إصرارا على التمرد ضد القانون.
وحال جرى تطبيق عقوبة الحبس ضد من يخططون للختان وإعلان ذلك للرأي العام، فأيّ أسرة سوف تفكر أكثر من مرة قبل الإقدام على تلك الخطوة، دون تجاهل الخطاب التوعوي، لأن سياسة الإقناع بالعدول عن الختان في حاجة إلى مظلة تشريعية تحميها للتسريع من النبذ المجتمعي لتلك العادة.
وأكد استشاري العلاقات الاجتماعية والتنمية البشرية في القاهرة عادل بركات أن القضاء على ختان الإناث لن يتحقق بالترغيب فقط، والمجتمع في حاجة إلى أن يرى آباء يُحبسون وأطباء يُعاقبون على هذا الفعل ليقتنع أن الحكومة جادة في المواجهة، لكن الرهان على الخطاب التوعوي يوحي بوجود رعونة في التصدي لختان الإناث.
وأضاف لـ”العرب” أن الترغيب أو الترهيب سلاحان لأيّ سلوك سيء، والخلاص من الختان ليس مهمة صعبة بدليل النجاحات التي تحققت في ظواهر أخرى، والعبرة أن تكون العقوبات مكملة للتوعية، والعكس، والهدف منهما الطعن في سلوك الختان بالوعي والحبس لتسريع إقناع المجتمع بأن تلك العادة لا يقبلها عقل أو قانون.
ويجب أن تكون التوعية الموجهة إلى مختلف الأسر حول الختان، مرتبطة بأن التربية الصحيحة من العائلة هي وحدها التي تحمي الفتاة من الانحراف وليس إزالة جزء من جسدها بدعوى التحكم في الشهوة الجنسية، مع تقديم براهين على تجريم ذلك بوقائع لآباء تم حبسهم، ليصبح الخطاب مقنعا ومدعوما بأمثلة تجبر الأسر على التراجع.
المصدر : العرب