عبدالسلام صبحي طه
زار بابا الفاتيكان فرنسيس مدينة أور بمحافظة ذي قار العراقية، في رحلة اعتبرت تاريخية لشخصية دينية كبيرة إلى أقدم وأعرق المدن في تاريخ البشرية، وقد جرى تعريف المبادرة في برنامج الزيارة الرسمي، بأنها “حضور تجمّع للأديان في سهل أور”. وفيما رأى البعض أن الزيارة غير المسبوقة هي “رسالة تضامن” مع المسيحيين والإيزيديين في العراق، رأى آخرون أنها “رسالة مصالحة” وسلام مع الطوائف الأخرى، بينما ما كان خافيا أبعد من هذا بكثير.
كان لزيارة البابا إلى مدينة أور طابع ديني وليس ثقافيا – سياحيا، كما كنا نأمل، لزيادة الوعي بالمدينة وتاريخها ومنجز أهاليها القدامى. وعلى ما يبدو إن لهذه الزيارة سجلّا أبعد من ذلك، ويرقى إلى عام 1999، حين أعلن الفاتيكان عن نية البابا يوحنا الثاني زيارة العراق، ومدينة أور على وجه التحديد. كان العراق حينها يرزح تحت عقوبات دولية قاسية، وقد حاولت الحكومة العراقية آنذاك استثمار الزيارة سياسيا من باب استغلال ثقل الفاتيكان لأجل التخفيف من تلك العقوبات أو ربما رفعها، ولعله لم يحصل اتفاق بين الطرفين، ما حدا بالحكومة العراقية إلى تعليق الزيارة.
المحزن في الأمر أن السلطات الآثارية في العراق آنذاك، ممثلة بهيئة الآثار التي كان يرأسها ربيع القيسي، وربما بالتنسيق مع وزارة الثقافة والإعلام التي كان يرأسها آنذاك د. همام عبدالخالق، كانت قد شرعت في أعمال إعمار وترميم سريعة لم تُراعَ فيها الضوابط والسياقات المتعارف عليها في أعمال الترميم والصيانة الآثارية، وقد جرى اختيار بنايات في زاوية من منعطف على زقاقين تبعد مسافة 300 متر تقريبا عن الزقورة، كانت مجمّعا يضمّ مدرسة ومعبدا صغيرا، كما جرى تبليط الممشى لتسهيل سير الزوار، وأُطلق على هذه الدار “بيت النبي إبراهيم”.
بيت إبراهيم
إن صيانة أو ترميم أي مبنى أثري أو تراثي يجب أن تتم باستعمال مواد بنائية من نوعية ومواصفات مواد البناء الأصلية نفسها، وفي هذه الحال فإن استخدام الطابوق الفني الحديث، الإسمنت ومواد حديثة أخرى في بناء هذا البيت، قد نزع صفة القدم عن الأثر وسماته التاريخية.
لقد شكل هذا البيت، بكل إشكالاته التاريخية والفنية، مشكلة وعقبة فنية كبرى واجهت محاولات قبول ملف مدينة أور من أجل وضعها على لائحة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو، بوصفها محمية تراثية عالمية، فقد اعتبر البيت في حالة “صيانة غير علمية وإضافة غير مدروسة”.
إن البناء الجديد (البيت) قد أقيم على مساحة واسعة (حوالي 2200 متر مربع)، في منطقة لم يشملها التنقيب سابقا، وقد أحدث بناؤه استياء مدويا في الأوساط الآثارية العالمية التي شجبت واستنكرت المساس بتراث مدينة أور، لأغراض وأجندات سياسية.
كان المنقّب البريطاني السير تشالرز ليونارد وولي (1880- 1960) قد أشار في أحد تقارير بعثته التنقيبية (ترأس البعثة لاثني عشر موسما من عام 1922 إلى 1934) إلى أن خبير النقوش والكتابات في البعثة قد ترجم رقيما مسماريا عُثر عليه في إحدى الدور السكنية تبعد مئات الأمتار عن الزقورة، وجرى تعريف الموقع في تقارير وولي بالرمز “AH” اختصارا لعبارة “بيت إبراهيم” بالإنجليزية (Abraham House)، وتدوين اسم “آبرامو” عليه ، كما عُثر على تمثال لكبش مزخرف، ربما كان قاعدة لطاولة في غرفة ملكية أو في معبد، جرى ربطه بكبش التضحية الوارد في قصة النبي إبراهيم.
فكرة مدينة أور كمسقط رأس للنبي إبراهيم سوّق لها المنقبون ودعّمها النظام العراقي السابق لأسباب سياسية.
ويظهر من خلال تسلسل الأحداث أن وولي سرعان ما أبرق إلى مموليه من المتاحف والجامعات والجمعيات التوراتية حول هذا الكشف المبهر، وهو أمر جرى حوله الكثير من اللغط في الأوساط الآثارية، وتم تفنيد هذه الترجمة، بل والموضوع برمته لاحقا. وفي كتابه المعنون “النبي إبراهيم”، الذي صدر عام 1936، تغيرت نبرة اليقين المتعلقة بالأمر لدى وولي، وحاول مسك العصا من الوسط من خلال توظيف تعابير لغوية تحتمل أوجه قراءة مختلفة، وهو أمر ربما يُفسَّر على أنه اتقاء لشر الاختلاف مع الجمعيات الدينية التي كانت قد ساهمت في تمويل جزء من حملاته التنقيبية في مدينة أور السومرية العراقية القديمة.
نُشرت العديد من البحوث والدراسات والكتب عن الموضوع في الغرب، وجرى تحري الحقيقة بأدوات البحث العلمي، التي تطرح وجهات نظر جديرة بالاعتبار، ولكن لا يزال هنالك نوع من مسايرة أيديولوجية دعما لمدارس تقليدية عقائدية في الرأي، تحاول إحالة عائدية الدار السكنية، التي حددها وولي، إلى الشخصية الدينية الوارد ذكرها في العهد القديم باسم “أبراهام”، واعتبارها مسقط رأسه، ولمسرح السردية التي وردت في إصحاحات سفر التكوين، والتي يرقى أقدم زمن لتدوينها إلى حوالي القرن الخامس قبل الميلاد، إذ شرع الكتبة اليهود المرحّلون في بابل بتدوين سرديات جُمعت تحت مسمى “الكتاب المقدس”، وقد استُكمل العمل بعد عودة قسم آخر منهم إلى فلسطين، إثر منحهم الإذن بالعودة من قبل الملك الفارسي الأخميني كورش، الذي احتل مدينة بابل عام 539 ق.م.
فلو أن التاريخ المفروض لحضور النبي إبراهيم على مسرح الأحداث هو ما بين القرنين التاسع عشر والسابع عشر ق.م، بحسب مؤرخي العهد القديم، فإن هذا سيترك مساحة زمنية تتجاوز الخمسة عشر قرنا تقريبا بين الزمن المفترض للشخصية وما يرد عنها تدوينا في سفر التكوين، إذ لا بدّ أنّ تناقل الأحداث قد جرى شفاهيا، مع الأخذ بعين الاعتبار تبدّل اللغات والألسن، بل وحتى المواقع الجغرافية وأسماء الأماكن، ما سيشكل لبسا للباحثين كما سيجري عرضه لاحقا
حقيقة مدينة أور
مدينة أور (الكلمة مشتقة من الأصل السومري أوريم والأكدي أورو وتعني مدينة)، ذُكرت في العهد القديم تحت مسمى “أور الكلدان” وهو مسمّى فيه لبس واضح، وهذا يثبت أن عملية تدوين التوراة، أو توارد قصصها شفاهيا قد جرى خلال عصر الدولة البابلية الثانية (الكلدانية)، أي بعد الترحيل الثاني ليهود فلسطين عام 583 ق.م على يد الملك البابلي العظيم نبو كودوري أوصّر الثاني (نبوخذ نصر في التوراة)، في حين أورد المدونون التوراتيون أن إبراهيم عاش خلال النصف الأول من الألف الثاني ق.م في عصر الدولة البابلية الأولى (الآمورية – دولة حمورابي).
كانت أور مدينة سومرية مقدسة لإله القمر (نانا أو ننار بالسومرية، وسين بالأكدية)، ومن أسمائها الأخرى “قامارينا”، ويُعتقد أنه مرتبط بالكلمة العربية “قمر”، مع أن كامارينا هو أيضا اسم لمدينة قديمة في جزيرة صقلية. إن توصيف أور بالكلدانية ربما يتفق مع حقيقة أن أسلاف إبراهيم كانوا من عبدة القمر، وقد وردت هذه الفكرة على أساس احتمال كون اسم والد إبراهيم الوارد في التوراة هو (تارح أو تيراح) والمرتبط بالاسم العبري للقمر (ي- ر- ح)، من الجذر الأكدي “أرخُ” وتعني شهر والذي هو الأصل في كلمة “تاريخ”.
على أيّ حال، فإن التراث اليهودي يذكر أن تيراح كان يعبد عددا من الآلهة، ربما كان من بينها “إيل”، وأن ما قد حصل من اضطرابات كان بسبب الخلافات بين كهنة الإلهين “سين” و”إيل”، ويبدو أن عبادة القمر “سين” هي التي انتصرت في النهاية، فما كان من عبدة “إيل” إلا الهجرة شمالا، ولكن الحجة في هذا الخصوص لا تزال ضعيفة.
من الجدير بالذكر أن اللقب الذي يُقرن بالنبي إبراهيم هو “خليل الله”، وهو من الجذر اللغوي الأكدي (خِل إيل) ويعني (الذي صادق الله وأخلص له).
ولكي يجري الفصل التام بين الرغبة في تطوير الموقع الأثري في أور، المدرج على لائحة اليونسكو للمواقع التراثية العالمية عام 2016، وبين زيارة شخصية بوزن الحبر الأعظم إلى موقع كهذا، فإن الدعم الإعلامي ينبغي أن يركز على تنشيط السياحة الآثارية، وتعميم المعرفة بتاريخ العراق الحضاري، ولكن يجب ألّا تغير زيارة كهذه من ثوابت علم الآثار وحقائق التاريخ على الأرض، ومن أجل ذلك فقد أجرينا استطلاعا لآراء آثاريين ومؤرخين عراقيين غايته التحقق من موضوع نسبة النبي إبراهيم إلى مدينة أور العراقية، وأيضا رأيهم في الدار المنسوبة إليه، لكي لا يجري تثبيت بعض الوقائع الملتبسة على الخرائط، ويتحول مبنى عادي إلى محجّ ديني مقدس، وربما يتجاوز الأمر ذلك بعد كذا عقد من الزمان ليجري اعتبار منطقة “سهل أور!” برمتها جزءا من ثوابت السرديات الدينية، وما قد يترتب عليها من تغييرات ديموغرافية وسياسية.
مغالطات تاريخية
بيوت قديمة في مهب السياسة
في شتاء عام 2010 التقيت عالم الآثار الراحل العراقي بهنام أبوالصوف في عمّان، وكنت حينها أقوم بجمع مقالاته وبحوثه لنشرها في موقعه الإلكتروني الذي كنت بصدد إطلاقه، ومن ضمن الحوارات عرّجنا على موضوع دار النبي إبراهيم في أور، فقال “ليس هنالك أيّ دليل آثاري على أن الدار التي تقع على بعد بضع مئات الأمتار من زقورة أور هي دار النبي إبراهيم، الوارد ذكره باسم “أبراهام” في العهد القديم، وإنما يرقى أصل هذه الدار إلى العصر الحضاري العراقي القديم الذي يُطلق عليه “عصر إيسن/ لارسا”، ويمتد تقريبا من عام 2025 إلى 1730 ق.م. والذي ظن وولي حينها أن إبراهيم لا بد أن يكون قد عاش في هذه البيئة”.
عدت إلى مذكرات الآثاري البريطاني ماكس مالوان (زوج الروائية الإنجليزية آغاثا كريستي)، لأجد أن الالتباسات في التصريحات كانت السبب في هذا الموضوع الذي ترسّخ، على نحو خاطئ، في وعي عامة الناس.
إن ما أورده مالوان عن خبير النقوش، آنذاك، الذي صاحب بعثة المتحف البريطاني وجامعة بنسلفانيا الأميركية في عشرينات القرن الماضي حين قرأ خطأ ما ظن أنه اسم “آبرامو”، قد ورد تفصيله في تلك المذكرات (منشورات الجمل، ص 67)، ومفاده أنه (أي مالوان) قد تسرع وقتها في الإبراق إلى صديق له في إنجلترا وذكر الاكتشاف، وحين علم مدير البعثة وولي بالأمر وبخ مالوان بشدة، وجعله يبعث برقية ثانية إلى الصديق ذاته يلتمس منه فيها الصمت حتى يحين وقت إعلان النبأ. ويعترف في النهاية بأن ذلك الوقت لم يحن قطُّ.
لا بد من الإشارة إلى أن البعثات التنقيبية في مطلع القرن العشرين كانت تُموَّل جزئيا من قبل مجمعات دينية وكنسية لرغبتها في تأصيل القصص الواردة في النصوص. وربما كان مخيبا لآمال البعض منهم، بعد نجاح الآثاريين في فك وتحليل وترجمة النصوص المسمارية، أنها أثبتت حصول اقتباس مباشر وحرفي في بعض الأحيان للكثير من الأساطير العراقية القديمة وتضمينها في كتب أحبار اليهود، ومنها إلى العقائد المقدسة الأخرى، وليس العكس كما كان مؤمّلا.
يقول الباحث عامر الجميلي من كلية الآثار في جامعة الموصل، وهو من الباحثين المهتمين بالتراث الثقافي، “لا أعتقد جازما بأن مدينة أور العراقية القديمة هي المدينة المفترضة مسقطا لرأس النبي إبراهيم، لأنني أعتمد على المصادر لكي أبني يقينا، لكنني شخصيا، بوصفي باحثا في علم الآثار واللغات القديمة ومهتما بتاريخ العراق والمنطقة وتراثها الثقافي، لا أعتقد جازما بأن الدار أو مجموعة الدور في مدينة أور العراقية القديمة، والتي يجري تسويقها على أنها كانت سكنى للنبي إبراهيم، الوارد ذكره في الكتاب المقدس، هي بالفعل كذلك”.
الباحثون في إسرائيل ودعاة اليمين المسيحي المتطرف يختلقون تاريخا مستوحى من التوراة ويربطونه بملوك العراق ومصر القدامى
ويضيف “لم تصلنا أدلة كتابية وآثارية من بلاد الرافدين تؤيد الأحداث التي وردت في الكتاب المقدس عن شخصية باسم أبراهام، لكنني أظن أن شخصية كهذه، إن كانت قد عاشت، فلربما تكون في منطقة أورفة أو الرها – حران، وهي مدينة لها مشتركات كثيرة مع مدينة أور العراقية القديمة من جهة الاسم، وكذلك انتشار عبادة إله القمر “سين”. والأهم هو الامتداد الجغرافي المرتبط بشمال إقليم حلب، إضافة إلى المشتركات اللغوية والثقافية، ما يجعل إمكانية تحقق رحلة منها إلى المسار الذي ورد في العهد القديم أمرا مقبولا، أضف إلى ذلك وجود خامة الحجارة والرخام في حران وأورهاي جنوب شرقي تركيا وانعدامه في أور (المگير) في جنوب العراق، لأن التقليد المحلي والمأثورات تشير إلى أن أبيه (آزر الوارد في النص القرآني) كان نحاتا.
ويعتقد الباحث مؤيد سعيد الدامرجي، الذي كان رئيسا للمؤسسة الآثارية العراقية لعقدين من الزمن (1977 – 1998)، أن قصة عائدية الدار المنسوبة إلى النبي إبراهيم في مدينة أور الأثرية في محافظة ذي قار غير دقيقة، وأن المنشأ الحالي المزعوم قد جرى بناؤه من الإسمنت والطابوق تزامنا مع زيارة البابا السابق يوحنا بولص الثاني في عقد التسعينات من القرن الماضي، والذي كان يعتزم زيارة أور أيضا، وكانت الغاية تسويق فكرة المدينة كمسقط رأس للنبي إبراهيم، ومن خلال ذلك تجري حلحلة موضوع الحصار المفروض على العراق بتوظيف ثقل الفاتيكان في الدوائر السياسية الغربية آنذاك.
ويعلق أحد الأساتذة في جامعة بغداد، طالبا عدم كشف اسمه، “لا يوجد بيت للنبي إبراهيم عليه السلام في أور، وكل ما يقال عن ذلك أكاذيب، ولو كان فيها شيء من الصحة لقلبوا الدنيا، ولكنّ آثارييهم ومؤرخيهم يعرفون بكل يقين كذب هذا الادعاء. كذلك فإن أحد أعضاء بعثة التنقيب، التي كانت تعمل في أور آنذاك، وهو ماكس ملوان، فضح ألاعيب رئيس الهيئة ليونارد وولي وزوجته المسيحية المتشددة في مذكراته التي نشرها. قائلا إنهم أشاعوا ذلك الخبر مع قصة حفرة الطوفان لكي يتمكنوا من كسب أموال لتمويل عمل البعثة، ويضفوا على عملهم مسحة دينية”.
ويتابع “الآن اكتسبت تلك الكذبة مسحة سياسية دينية للسيطرة على المنطقة بحجة أنها أرض سكنها اليهود، وأنهم أحق بها، وقد حاول البابا السابق زيارة العراق في زمن النظام السابق، والذهاب إلى أور لزيارة بيت إبراهيم، إلا أن زيارته تلك رُفضت. ويريد البابا الحالي من خلال زيارة أور، ثم حران وفلسطين ومصر أن يعيد طريق مسيرة إبراهيم، ويثبت نبوءة التوراة من الفرات إلى النيل”.
ويرى المؤرخ والباحث العراقي صلاح رشيد الصالحي أنه يوجد خلط تاريخي في الكثير من التفاصيل المتعلقة بهذا الموضوع، بدءا من تحديد مدينة “أور الكلدان”، التي وردت في العهد القديم، إذ ربما جرى الخلط بين أور السومرية (تل المكير) و مدينة أورا (Ura) (الرها) بالقرب من حران من قبل كتبة أسفار التوراة، ولذا فإن هنالك جمهورا من العلماء يعتقد بأن بيت إبراهيم في الرها وليس في أور العراقية، التي لا يوجد فيها بيت كهذا إطلاقا.
حضارة عريقة تواجه السرديات التلفيقية
ويرجع الباحث الأمر برمته إلى محاولة المنقب البريطاني ليونارد وولي في عشرينات القرن الماضي تحقيق منجز يوازي اكتشاف هوارد كارتر لمقبرة توت عنخ آمون، فحاول تتويج اكتشافه المهم في مدينة أور بالإعلان عن تحديد بيت ضمن مجمع سكني أو إداري أحاله إلى النبي إبراهيم، ما أحدث ضجة في الأوساط الكنسية، التي كانت ترغب وبشدة في إثبات وجود إبراهيم، وامتداد الإرث اليهودي في العراق. إذ يرد في التوراة بأن “يهوه” منح الأرض (من الفرات إلى النيل)، ولإثبات هذا الوعد يسعى الباحثون في إسرائيل، ودعاة اليمين المسيحي المتطرف إلى اختلاق تاريخ مستوحى من التوراة وربطه مع ملوك العراق ومصر القدامى، ولذا أقولها صراحة إن وراء الزعم بوجود بيت لإبراهيم في أور هدفا آخر بعيدا.
ويتساءل الآثاري العراقي قصي عبدالكريم التركي إن كان اسم أبرام أو أبرم يشير إلى بيت إبراهيم النبي؟ ويوضح أن هذا الأمر غير مؤكد، ولا تدعمه الأدلة الكتابية أو الآثارية المادية، وقد يكون الاسم فعلا شائعا ومستخدما كاسم علم لأسماء من الأموريين القاطنين في مدينة أور، ولكن من دون تأكيد وجود علاقة بينه وبين اسم النبي إبراهيم، علما أن كلا من الإنجليزي ليونارد وولي، والإيطالي جيوفاني بيتناتو قد أشارا، وحاولا أن يثبتا وجود بيت للنبي إبراهيم في أور، لكن لا يوجد لديهما أي دليل مقنع، سواء أكان كتابيا من النصوص المسمارية أم ماديا من المكتشفات الأثرية، ووجود ذكر لإبراهيم الخليل في أور لا يتعدّى كتاب التوراة، وبعض إشارات عند البلدانيين العرب.
ومن كلية الآداب في جامعة البصرة، نطالع بحثا للأكاديمي هاشم عادل علي بعنوان “مدينة كوثى (تل إبراهيم) مدينة النبي إبراهيم الخليل” يفنّد فيه الحجج المتعلقة بنسب النبي إبراهيم إلى مدينة أور السومرية لكونها تقع غرب نهر الفرات، في حين ورد وصفها في التوراة على أنها تقع في شرقه.
بعثات التنقيب مطلع القرن العشرين كانت تُموَّل جزئيا من مجمعات دينية وكنسية رغبة في تأصيل قصص النصوص الدينية.
ويستعرض بعد ذلك التباعد الزمني بين أور السومرية في عصر السلالة الثالثة وتلك التي وردت بالوصف على أنها كلدانية، والمسافة الزمنية التي بينهما تربو على خمسة عشر قرنا. وينهي الدكتور عادل استنتاجه بالقول إن إبراهيم التوراتي كان آموريا (بدويا) لا يمتّ بصلة إلى بلاد السادة المتحضرين في أور السومرية، ثم يسقط الحجج التي تقول إن أور هي “أورها” قرب حران في جنوب تركيا الحالية، ذلك أن “أورها” كانت محض محطة قصيرة بحسب النص التوراتي، ولم تكن موطنه، وهي مدينة آرامية وليست كلدانية بدليل أنها ترد باسم “حقل الآراميين”، وأن النبي إبراهيم لا بد أن يكون آموريا لا آراميا، بدلالة أسماء أبنائه وأحفاده (إسماعيل، وإسرائيل/ يعقوب) التي تنتهي بـ”إيل” وهو السياق الذي كان يستخدمه سكان بابل القديمة (الآموريون).
ويصل الباحث إلى مستقر الرأي بالقول إن كان للنبي إبراهيم موطئ في أرض العراق فلا بد له أن يكون في كوثى – ربا بالقرب من بابل إلى الشرق من نهر الفرات، وهي من أعمال الكوفة (في العصر الإسلامي) وقد عُرفت بسرة السواد، ومستقر نبط العراق التي ولد فيها إبراهيم.
لا بد لنا في النهاية من الاعتراف بأن أور ذات التراث العظيم الممتد إلى آلاف السنين من الخلق والإبداع في شتى مجالات الحياة، والتي رفدت مسيرة البشرية بمقومات وعناصر الحضارة المدنية، مدينة كهذه منحت التاريخ اسما ومعنى ليست في حاجة إلى من يعرّف بها، من خلال إقحامها في روايات توراتية مثار جدل، وقد لا تصمد طويلا أمام البحث العلمي الرصين. إنها لا تحتاج إلى من يسوّقها ضمن حزمة أكاذيب لرسم خرائط جديدة على الأرض، وتأصيل ما لا أصل له إلّا في مخيال كتبة السرديات.
نقلا” عن العرب اللندنية