عبدالكريم الخياطي
صديقي رفيق… رحل!
أحقًا رحل؟
يا الله، ما هذه الفاجعة؟
رحيلك يا رفيق لا يُصدَّق، لا يُحتمل… فاسمك لم يكن مجرد اسم، بل اسلوب حياة.
كنت فعلًا رفيقًا لكل مناضل، وفارسًا في دروب السياسة والصحافة والصدق والإنسانية، ورفيقًا في تلك الأيام الصعبة التي لا يحملها إلا من خُلقوا من ضوء المبادئ ونُبل الوفاء.
عرفته في بداياتي الصحفية عام 2001، كنت لا ازال في بدايات الجامعة، حين كانت الصحافة حلمًا هشًا، والحزبية في بلادنا تحتاج ظهرًا لا يقل صلابة عن العقيدة.
وكان في مدينتنا الصغيرة المحاطة بالحزب الواحد، حزب الرئيس الذي تختزل فيه السياسة، ورفيق بلا قبيلة، بلا سند، ولو كنتُ اشتراكيًا مثله في تلك الظروف، لاستسلمت مبكرًا…
لأني كنت سأفقد الشجاعة أمام التنمر السياسي، والعزلة، والخذلان.
لكن رفيق… صمد.
بقي مثقفًا من الطراز الأول، لا يهتز، ولا يتلوّن، ولا يُساوِم، ولو كان وحده في مواجهة الضجيج.
أعرفه منذ سنواتي الأولى، حين كنّا ندير مع فريق منهم الاساتذة أحمد الصرمي وحمود المروي والدكتور علي بطاح وخالد البغاشة صحيفة “القبس” المحلية، وكنا نجوب قرى المحويت في كل موسم انتخابي، برفقة أنا وهو والعزيز حمود المروي، نوزّع الأوراق وندير الحملات الانتخابية، ونستمع لحكايات الناس، وننقل صوت المهمّشين.
لكن رفيق لم يكن مجرد صحفي أو رفيق حزبي.
كان إنسانًا نادرًا، يساريًا من طراز عتيق، تربى طفلًا في الجبهة ويعرف كل صراعاتها رغم أنه كان لايزال طفل، وتفتّح وعيه السياسي على يد الرفيق والوالد Hussein Kamel،
اليساري النبيل الذي زهد السياسة منذ سنوات بعد ان صارت سوقًا للمزايدين، وفضل العزلة في قريته يأكل من حصاد مزرعته الصغيرة في حاشد، بينما بقي رفيق في المحويت مع بعض رفاقه من المحافظة وفيًا للمبدأ، مستقيمًا كالجبل، لا يلتف، ولا يساير.
منزله كان ماركسيًا في قلب مجتمعٍ يغلب عليه التدين المحافظ، لكنه لم يصطدم مع الناس، بل أحبهم وأحبوه، حتى صار بينهم وجهًا مألوفًا وصوتًا لا يُنسى
ربّى أبناءه كما يربّي الفلاحون أحلامهم: بعناية وصبر ولذلك شاهدانهم من اوائل الطلاب دوما.
كان من أذكى المحاسبين في المحافظة، يحلّ أعقد المسائل، ويضحك ببساطته وهو يشرحها.
لكنه لم يُخِلّ يومًا بالتزامه السياسي، ولا تخلى عن مبادئه حتى في أيام الرعب، حين اجتاحتنا الجائحة الحوثية.
آخر ما أعرفه عنه:
أنه لم يُهادن، ولم يقبل مساومة.
ولم يُغيّر نغمة صوته، ولا لهجته الحجريّة، ولا ابتسامته التي كانت تغلب بها الأجهزة الأمنية، كما يغلب الحكيمُ الغاضبَ الجاهل.
رحل اليوم مع ابنته، في حادثٍ على طريق المحويت.
وأكاد أجزم أنه، في تلك اللحظة، لم يكن يفكر في نفسه، بل كيف يحميها.
هكذا كان رفيق دائمًا: يقدّم الآخرين على نفسه، حتى في حضرة الموت.
رحل، وترك فينا ما لا يموت:
مثال الإنسان الذي عاش بلا ظهر، لكن بظهر القيم.
الذي سار وحده، لكن بمشية المنتصر.
الذي لم يكن الأقوى، لكنه كان الأصدق.
وداعًا يا رفيق… يا من حملت الاسم والصفة والمعنى
وداعًا يا من بقيت وفيًّا حين تعبنا، ومضيْت ثابتًا حين انحنينا.
رحمة الله تغشاك، أنت وابنتك،
وعزاؤنا أننا عرفناك،
وأنك كنت لنا ظهرًا لا يُرى،
لكننا كنا نستند إليه.
إنا لله وإنا إليه راجعون.