يا من كنتَ لي ظلًا وحلمًا، ها نحن اليوم نقف على عتبة فراقك
الدكتور حسين علي حسن
إليكم أيها الأحبةُ والاصدقاء عامةً في الجنوب الأبيِّ وإلى كلِّ رفاقٍ وزملاءَ وإخوةٍ وأبناءِ المناضلِ الوطنيِّ الكبير الزاهدِ الجسورِ اللواء/ محمد ناجي سعيد، الذي انتقل إلى رحمة الله تعالى اليومَ بعد كفاح ومشوار نضالي طويل لاكثر من ٦٥ عاما واشهد ومعي كل ذي عقل رشيد بأنه كافح حتى الرمق الاخير من حياته.
إليكم جميعًا، أنعي بألمٍ وحزنٍ رحيلَ رمزٍ من رموز نضال الحركة الوطنية الجنوبية وقائدالنضال السلمي والثورة الرافضة لسيطرة قوى التخلف والهمجية على الجنوب ومقدراته وثرواته رجلٌ كرَّس حياته لقيم العدالة والمساواة والإنسانية، في زمنٍ طغت فيه الماديات والانقسامات والمصالح الشخصية الضيقة وللتاريخ نقولها بملىء الفم بأنه من أنقى وانزة القادة واخلصهم بسبب شجاعته حيث كان صوته يزمجر حين تخرص الاصوات ويمتشق سلاحه حين تهدد كرامات الناس ويذل ويتواضع كثيرا حين يكون الناس بحاجة له في مختلف المواقع والمناصب التي تبوءها ويعرف الكثير منا بأنه قد انخرط في العمل الوطني منذ نعومة اظافره فبعد ان أنهى مدرسة السرير الابتدائية في جبل جحاف مارس مهنة البناء الذي تعلمها كمهنة من والده الشيخ الحاج ناجي سعيد إلى جانب التربية الدينة وكذا من عمه شقيق والده الحاج علي سعيد علي وانظم إلى صفوف الثورة الأوائل عند قيامها وبعد تحصل الجنوب على استقلاله سارع في للانضمام كجندي إلى القوات المسلحة وخدم في إطار احدى وحدات المشاة في ثمود المرابطة في جنوب الربع الخالي في نهاية الستينات وبعد سنوات من الخدمة العسكرية من هناك ابتعث للدراسة السياسية في جمهورية الصين الشعبية وعاد مع ثلثة من الضباط والقادة ليقود العمل التنظيمي والسياسي في اللواء العشرين مشاة وتقديرا لتفانيه واخلاصه ابتعث مرة اخرى للدراسة في أكاديمية العلوم الاجتماعية في روسيا وتخرج منها بتحصيل علمي عالي ونجاح باهر ليعين مباشرة مسؤولا حزبيا وسياسيا في لواءه السابق المشاة العشرين الذي احب المقاتلين والقادة هناك واحبوه وتقديرا لنجاحاته الكبيرة في الجانب العملي والتطبيقي في صفوف القوات المسلحة تعين بجداره وبدون منافس رئيسا للقسم السياسي للقوى الجوي والدفاع الجوي وفي هذا الصنف الهام للقوات المسلحة تعملقت مكانته وخبراته ليس كمربي فحسب بل كقائد عسكر وسياسي وثقافي ثم تعين نائبا لمدير الدائرة السياسية العامة للقوات المسلحة وحقق ورفاقه فيها مكانة رفيعة للدائرة وكبر دورها في القوات المسلحة ورفع جاهزيتها القتالية وحالة افرادها وضباطها وقادتها السياسية والمعنوية.
ما كان فقيدنا يوم من الايام يخاف لومة لائم من قول الحق عندما يرى محاولات خرق القوانين والأنظمة أوعندما تضعف النفوس والقيم في التعامل مع حقوق المقاتلين والمال العام واملاك الدولة كان صوته يصدح ويجلجل رافضا ومصححا لمثل هذه الظواهر والممارسات .
تعين الفقيد مامورا لمديرية الضالع وكان القائد والمسؤول الذي رضا عنه المواطن قبل المسؤول وخلال فترة عمله هناك لم يعمل كالاخرين وخرج منها بخفي حنين ولم يكسب سوى حب واحترام وتقدير المواطنين فيهآ. ترشح الفقيد في انتخابات ١٩٩٣م لعضوية مجلس النواب وحقق نسبة عالية جدا من أصوات الناخبين في دائرة ٨٤ ومثلها خير تمثيل وعندما عجزت السياسة والوساطة في درىء حرب ٩٤م اللعينة امتشق سلاحه من جديد اسوة بابناء القوات المسلحة والمواطنين الشرفاء وقاد المديرية لمواجهتها كونها حربا ظالمة وهمجية وبالنظر لاخفاقنا في التصدي لها وافشالها مارس دورة القيادي والسياسي بين الناس والدفاع المستميت وبشجاعة نادرة بعد انتهاء الحرب ومن داخل مجلس النواب الذي هو عضوا فيه .
تجدر الاشارة بأن فقيدنا رغم كل ما خطط له ومورست ضده من مكايدات سياسية كان يقف معي والى جانبي في كل مراحل عملنا وحياتنا وكنا اخوة في الدين والتفكير وزملاء في المهنة والخدمة العسكرية وكنا دائما نتصرف باستمرار كاسرة واحدة وبفضل هذه الأخوة والزمالة والصداقة القوية استطعنا وأولاده الكرام واسرة الشوتري وأولاده الطيبين الظفر بافشال ما دبر لنا جميعا وان كانت باسمه المتمثلة بتكريم الفقيد علي عباد الشوتري وإخراجه هو من السجن عن طريق الحل العرفي والذي ما كان ليتحقق لنا ذلك سوى بقناعة مشتركة بل وواحدة انا شخصيا والفقيد دورا مشهودا بذلك ولاسرة الفقيد الشوتري الفضل الأول في حلها .
إليكَ يا رفيقَ الدربِ، وشقيقَ الروحِ، إلى من شاركني طفولةً بريئةً وصفوفَ دراسةٍ وأحلامًا كنّا ننسجها معًا ولو انك اكبر سنا مني وبسنوات قليلة.
إلا انك الجندي الباسل الذي وقفنا سويا جنبًا إلى جنب في ثكنات الجيش ومواجهة المصاعب.
يا من كنتَ لي ظلًا وحلمًا، ها نحن اليوم نقف على عتبة فراقك، والدمعُ يروي ترابَ ذكراك، والقلبُ ينْدِبُ فراقَك.
كنتَ للسلم صوتًا وللحرب مقداما وشجاعا وللأرض حلمًا يمشي في ظلال الزهد، مناضلًا في زمن الطغاة، حاملاً رايةَ الحق في يدك، وراية الحرية في قلبك وفكرك تسير بصلابة وكل شجاعة في
درَسنا وحلمنا معًا ،كنّا نقطع المسافات ذهابًا وإيابًا، نتبادل الأقلام والكتب القليلة جدا نضحك ونتسابق على من يحل المسألة أولاً أو يجيد السباحة بعد انتهاء اليوم الدراسي
كنتَ ذلك الطالب الضخم نسبيا جسمانيا مقارنة بنا وكنت الطالب الهادئ الذكي الذي كان يحلم بوطن أفضل. ثم كبرنا وتحولت أحلام الطفولة إلى مسؤولية .
التحقنا بالجيش معًا وإن كنت قد سبقتني بفترة وجيزةوكنتَ الأخ والصديق والرفيق، نتقاسم رغيف الخبز في التدريبات القاسية، ونسهر لنتحدث عن مستقبل هذا الوطن. كنتَ الجندي الشجاع والقائد المتواضع.
بقينا معًا حتى حلت كارثة الحرب، ذلك الشيطان الذي مزق أواصر المحبة. افترقنا.. لا باختيارنا.. بل بجبروت السياسة وعبثية الحرب.
كنتَ رفيقًا عزيزًا لكل من جالَسوك في الحياة العامة أو عرفوك وعاشروك في الخدمة العسكرية أو في العمل السياسي والحزبي.
كنت مؤمنًا بأن النضال السلمي هو الخيار الصائب لتحقيق المبادئ والأهداف السياسية التي نذرت عمرك ووقتِك لأجل إنجازها ولم تغفل الأسلوب العسكري أيضا
كنتَ رمزًا من رموز النضال والشرف، وستظل ذكراك خالدة في قلوب أبناء الجنوب وفي تاريخ كفاحهم الطويل.
ظللت أتابع أخبارك عن قرب باستمرار و من بعيد، أسمع عن نضالك وعن جسارتك ووقوفك بصلابة في وجه الطغيان، عن زهدك، عن إيمانك بعدالة القضية.
رحلتَ يا صاحبَ القلبِ الكبير، لم تَلْتَفِتْ إلى مغريات الحياة، زاهدًا في مغانمها، مستغرقًا في بحور الحكمة والصفاء .
وأنت تودعنا اليوم، تبقى روحك منارةً لكل من آمن بالحق، وصوتك الصادق يتردد في أروقة الذاكرة، وذكراك لا تموت.
الآن رحلتَ.. بعد مرض ألمَّ بك، لكن ذكراك ستظل غضة طريّة في قلوب من عرفوك، ستبقى مثالاً للمناضل الصادق والقائد المتواضع والصديق الوفي.
ستظل ذكراك نبراسًا يضيء درب المحبين والمناضلين، وسنلتقي على ذلك الملتقى حيث لا فراق ولا حرب،
وسنكمل الحوار الذي قطعته الحرب في جنات الخلد مع النبيين والصديقين والشهداء، بإذن الله تعالى.
وداعًا يا رفيق الروح، يا من علمتنا كيف نكون أحرارًا، لك في القلب مقامٌ لن يزول، وفي الدرب شعلةٌ لا تنطفئ، فلتنمْ قرير العين، فقد تركتَ خلفك قصصًا لا تنسى، ونبضًا لا يزال يوقظنا على حلم غدٍ أفضل…
بدأت مشوارك الكفاحي بإخلاص وامانة وتركت لنا رصيدا غنيا من الاخلاق والقيم والنبل وهنا لا اسمح لنفسي ابدا تجاوز من قدر وقدم الرعاية والاهتمام في مراحل مرضك وعلاجك في الداخل والخارج وأخص نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي ،رئيس المجلس االانتقالي الجنوبي القائد الاعلى للقوات المسلحة الجنوبية الاخ عيدروس الزبيدي والأخ الفريق دكتور محسن الداعري وزير الدفاع لهما جزيل الشكر والامتنان.
خالص التعازي والمواساة إلى أبناء واشقاء وأصدقاء ورفاق الفقيد ، داعيا الله أن يلهمهم الصبر والسلوان ، وإن يتغمد الفقيد بواسع رحمته ويسكنه فسيح جناته ، وإنا لله وإنا إليه راجعون..