أ. صالح القطوي
قصيدة (جوهر العمر) إحدى قصائد الشاعر فيصل الهاشمي، كتبت باللغة الفصحى، معان ذات بعد صوفي، بقواف مقيدة مردفة.
فلو وقفنا أمام العنوان لفظتي (جوهر العمر) كل مفردة لوحدها، لتبدد معناه، ولكن لو أخذناهما معا لأحالنا العنوان إلى معنى ثالث ألا وهو (الحب)، وكأنه مصدر كل فضيلة في الوجود، الحب بكل أبعاده وأنواعه ومنه (مودة ورحمة) الحب الذي يسكن الروح ويتجسد في ذواتنا إلى قول وفعل .
لكن، لماذا اختار الشاعر إيقاع بحر المتقارب التام (فعولن: ٤×٤)، وكأنه يأمر حبيبته بهذا الإيقاع إلى فعل الحب (فكوني)، أي افعلوه فهو جوهر الروح، لأن “العمر رأس مال الإنسان”.
وما لم يستثمره بالحب فلا ثمن ولا معنى له. قال الشاعر :
عليك بالنفس فاستكمل فضائلها
فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان
فالشاعر متحمس لفكرة الحب بدليل أن المتقارب بحر كثر فيه نظم الشعر الحماسي والقومي، كقصيدة (إرادة شعب) لأبي القاسم الشابي، وقد نظم الفردوسي شاه نامته، المؤلفة من (60) ألف بيت على هذا الوزن. وهي إحدى ملاحم الفرس.
والمتقارب من البحور الصافية له عروضان وستة أضرب، ويمكن للشاعر أن ينظم على وزنه (6) قصائد، وفقا لأضربه، وقد نظم البردوني ما يقرب من (50) قصيدة بهذ الوزن.
الأمر الآخر لماذا فضل الشاعر القافية المقيدة المردفة بالألف وحرف الروي الهمزة(اء) من دون سائر الحروف؟. وكأنه أراد أن يشير إلى موضع الحب من مخرج الهمزة الأقرب إلى القلب النابض بالحب، وهو لا شك (جوهر العمر)، بدليل قوله:
أحبك نبضا تماهى بصدري
غـرامًا سـلامًا سـرورًا وفـاءْ
وتأتي تفعلية الضرب (فَعُولْ) المقبوضة، (والقبض: حذف الحرف الخامس من فعولن، وإسكان ما قبله)، لتؤكد حتمية فعل (الحب) وديمومته، أي فافعلوا الحب، فهو المصدر الكامن في الروح وأمنياتنا وفي طاقات أنفسنا نحو الخارج (الكون) بما فيه من أشياء وأحياء.
عدد الأبيات لم يكن صدفة (19) بيتا، لا شك تذكرنا بآية قرآنية (عليها تسعة عشر)، لكي لا تتحول حياتنا إلى جحيم. وكأن هذا الرقم يحذرنا من العبث بقيم الفضيلة التي مصدرها أصلا هو الحب حين تفيض به الذات على هذا الوجود الرملي وما في السماء من غيوم وأجرام ومجرات ونجوم.
والملاحظ حضور حرف الياء (74) مرة كضمير مشترك، بين (الأنا) والـ(هي) ومع الأفعال والحروف والأسماء، وضمائر الخطاب المختلفة:
(فكوني لروضي نسيمًا عليلا
يعطر زهري بريح اللقاء
فسيرِي بقلبي دعاءً نقيا
يبدد همِّي، ويمحو الجفاء)
أكثر من حروف العلة واللين، وهو حضور فيه دلالة الحركة والإنكسار بدليل ختمها بقوله:
إذا مر طيفك صارت جروحي
كجمرٍ تعرّت لقطر السماء
وفي هذا الختام تشكل لفظة (جروحي) كلمة محورية وفي التشبيه دلالة على الانطفاء وآثاره الدالة على اللقيا والارتواء.
وهذا الإنكسار أمام المحبوبة يتجلى في حركة الكاف (أحبك) الذي تسبقه حركة الفاعل، الدالة على الضم والاحتواء، وفي استمرارية الحب الموجه إلى ذات المحبوبة من خلال ضمير الخطاب (الكاف) المتصل بحروف الجر، يقابله انفتاح مكثف، يتجلى بعدد من المصادر وصفاتها، وبين عدد من المفاعيل من تمييز، وظرف، وحال: (فجرا، دهرا، همسا، دعاء نقيا، نبعا، فيوضا، شوقا، نسيمًا عليلا، يوما، نجوما، طوعا)، وفي حسن التقسيم الذي وظفه بلاغيا
كمحسن بديعي، ومنه قوله:
أحبك نبضا تماهى بصدري
غراما، سلاما، سرورا، وفاء
وكوني لرَملي غيوما تفيض
هناء، رواء، أمانا، عطاء
لا شك أن حضور حرف الألف واللام (116/ 60) مرة، هو الأغلب في القصيدة، وفي أي إحصاء، لكنه يعطي دلالة (الحدث) في الحركة والثبوت التي تضفيها الجمل الإسمية ومصادرها.
وهذا الإنكسار ينسجم مع ضمير الملكية (قلبي، صدري، صمتي، شدوي، بروحي، لروضي، زهري، لرملي، همي، شوقي، جروحي) الذي ارتبط به تلك المفردات التي تتجه أغلبها نحو القلب والذات حسيا ومعنويا، لتسكن مع ختام كل بيت، وهو في الوقت نفسه انفتاح مع الألف وحركة ما قبلها من تفعيلة الضرب وقوافيها المردفة بالألف.
وهذا الارتواء قد نجده تناسق لغة القصيدة بين الجمل الإسمية والفعلية التي كشفت عنه بين عدد لا يقل عن (25) مرة ولا يزيد عن (30) مرة لهذه المصادر والأسماء المعرفة، وإلى جوارها الأفعال ذات التنوع في الفعل والحركة نحو الحاضر وماضيه .