لبنى الهاشمي
حديثنا اليوم عن التعصّب المقيت الذي تغلغل في مجتمعاتنا العربيّة تحديداً، فمن الحقائق المرّة أن مجتمعاتنا العربيّة تُحرّكها دوافع التعصّب، وتسيطر غالباً عليها خطابات الكراهية والتأجيج، كما يُعدّ العنف أبشع صور تغلغل الكراهية، وأن شرائح من البشر لا يُستهان بها تحمل هذا العفن، والكارثة أن منهم العلماء والمفكّرين والكتّاب، وأرباب المناصب السياسيّة، ووجهاء القوم ممّن يسيطرون على المشهد العام، وقد استغلّوا سذاجة العامّة وفضاء الإعلام، وسرقوا البساط من تحت أقدام القوى الفكريّة المعتدلة، أو أهل الحق، فلم يجلبوا سوى الفرقة والانقسام، وإذكاء نعرات التحزّب والتصنيف والإقصاء، ودفعوا بالمنطقة إلى الهاوية بخطاب الكراهية المؤدلج.
وهنا أؤكّد أنّني لا أقصد مجتمعاً عربيّاً بعينه، وفي الوقت نفسه لا أكاد أستثني أي مجتمع عربي، ولكي يتأكّد لنا هذا الأمر، لا يجوز لنا أن نكتفي بتحليل الظاهر من الأحداث، بل ينبغي أن نستجلي بهدوء وموضوعيّة الخلفيّات المهمّة.
ومن المؤسف أن نرى مَن يجحد هذه الحقائق، بل يتكسّب على حسابها، فهناك ذهنيّات إجراميّة تمتلك الشراسة والإقصاء في تصنيف الآخر، وترفض أن يكون السلام أساساً في حياتها، كما تؤمن بأن أفعالها العنيفة مبرّرة ومطلوبة، وتحاول استثمار أي خلافات أو أزمات داخليّة أو خارجيّة في العودة من جديد إلى المشهد، مع الرغبة في شيطنة التيارات الإرهابيّة والتيارات الإسلاميّة الأخرى القابعة في الظلام، أو حتى تلك التي في النور، بما ينسف القيم الإنسانيّة العادلة، ويهدّد السِّلم والأمن العالمي.
وبعد فترة من الاحتقانات، بل التجاذبات، بين الفرقاء، وما خلّفه العنف والعدوان من ضحايا، تأكّد يقيناً أنّ بدايات الإرهاب كانت الغلو، بل التعصّب، ثم الكراهية، وتبعها التشدّد والتطرّف بكل أطيافه، وهي كلّها تنبثق من تصوّرات فكريّة تصنّمت في قوالب جامدة، فاستباحت الموروث والثوابت الدينيّة والثقافيّة.
ولا يخفى أنّ الروافد التي تغذّي مستنقع التعصّب تأتي من مصادر مختلفة، فهناك مركّب نفسي وعقلي وثقافي يولّد الاستعداء، وينفخ في كير الكراهية، ويؤجّج نيرانها، ولا نعلم ما ستفرزه لنا تلك العواطف الكارهة من كوارث وتحدّيات كبرى في المستقبل القريب.
ومن الملفت أنّ فراغاً كبيراً قد حصل في الخطاب الديني المعتدل، واستتبع ذلك ما يمكن تسميته التطرّف المضاد للتطرّف، غير أنّه قد يتحوّل إلى تعصّب حقيقي، ولكن من نوع آخر، مثل ظهور مثقّفين يلقون باللائمة على الإرهاب بدعوى أنّه نتاج التراث الديني، ومحاولات التشكيك في التراث الإسلامي، والطعن في السلف الصالح من أرباب الحديث، وتشويه أهداف الفتوحات، أو الانسلاخ من ميراثنا العظيم، وتزييف الحقائق الدينيّة المسلّم بها، والتطاول على مقدّسات الأمّة، والنيل من كتاب البخاري وغيره.
ولعلّ هذا يكون دليلاً ومؤشّراً على وجود خلل يجب الإسراع في معالجته، مع وجود جوانب معتمة بحاجة إلى إظهارها، ولنعلم يقيناً أنّ الإصلاح لا يبدأ من هدم البنيان ونسف البناء من أصله، بل من البناء عليه، فإنّ اللغة المنفلتة التي تمارس تنفيس طاقات التدمير والتأجيج والرفض جاءت، فيما يبدو، تعويضاً أو ردّات فعل لساحة سيطرت عليها تلك الطاقة السلبيّة ردحاً طويلاً، ما يستدعي تصحيح المعايير الفكريّة، وضبط المفاهيم الأساسيّة، وامتصاص التصعيد والتوتّر القائم، والرجوع إلى فضائل الاعتدال.
هل يحتاج الأمر إلى التأكيد أنّه لا يمكن أبداً صياغة القوّة الناعمة للتسامح في ظلّ وجود خطابات منفلتة وغير منضبطة تسعى إلى التأجيج أو التهويل والتعصّب؟
لا بدّ من تعزيز الحسّ الإنساني، والرؤية المتسامحة والمتوازنة التي تعزّز السلام والوئام والتعايش الإيجابي بين مختلف أطياف المجتمع، ولا بدّ من احترام المظلّة الوطنيّة والدينيّة لكل دولة، وبغير ذلك فليحذر الجميع من مقصلة التطرّف المضاد (الإفلات والانفلات)، التي لن تُبقي على أحد، ولن ترحم دولة على حساب أخرى.
إنّ التشكيك في الموروث الثقافي والحضاري للأمّة لا يصنع التحوّلات الحضاريّة، كما أنّ وقف التيّار المضاد لا يكون بشتّى الطرق المنفلتة، ولْننتبه جميعاً إلى أي انحراف في سلوكيات المجتمع وثوابته أو ثقافته المتعارف عليها، فهو شكل آخر من التطرّف قد يغزو منطقتنا.
نقلا عن موقع 24















