بشير حسن الزريقي
يستبعد كثيرون فكرة انفصال الجنوب عن الشمال، ويقدمون هذا الاستبعاد بوصفه حرصا على الوحدة أو خوفا من تمزق الوطن، لكنّ الواقع يكشف مفارقة صارخة؛ إذ إن الشمال كان السباق عمليا إلى تكريس حالة الانفصال، ليس عبر إعلان رسمي، بل من خلال فرض واقع سياسي وإداري وأمني استمر لعشر سنوات وأكثر، حتى باتت البلاد تعيش انقساما غير معلن، لكنه واضح في تفاصيل الحياة اليومية.
لم يعد الانفصال فكرة نظرية أو خطابا عاطفيا، الانفصال تحول إلى نظام فعلي تحكمه سلطات أمر واقع، وحدود غير مرسومة على الورق لكنها مرئية في السلوك والمؤسسات والقرارات.
لقد انقسمت مراكز القرار، وتباينت المرجعيات، وتحولت الوحدة من مشروعٍ وطني جامع إلى شعار يتم إستدعائه عند الحاجة السياسية فقط، بينما تدار البلاد بمنطق الكيانات المنفصلة.
إن استبعاد انفصال الجنوب يبدو، في هذا السياق، أقرب إلى إنكار للواقع منه إلى قراءة رشيدة له.
فكيف يمكن نفي الانفصال بينما كل شيء يشير إلى وجوده عمليا…؟ الجيوش، والإدارات، والولاءات، وحتى الخطابات الإعلامية، باتت تعبر عن جغرافيا سياسية منقسمة، وليس عن دولة واحدة ذات سيادة موحدة.
المفارقة أن من يلوحون بخطر الانفصال هم أنفسهم من صنعوا شروطه الموضوعية، حين فشلوا في إدارة التنوع، وأقصوا الشراكة الحقيقية، واستعاضوا عن الدولة بالتغول العسكري والسياسي.
وهكذا أصبح الجنوب لا يطالب بالانفصال من فراغ، الجنوب بات يطالب بإستعادة دولة من تجربة طويلة من التهميش والاقصاء وغياب العدالة.
إن السؤال الحقيقي لم يعد، هل ينفصل الجنوب أم لا، السؤال لماذا يتظاهر البعض بأن البلاد موحدة بينما كل ممارساتهم تؤكد العكس، ولماذا يحملون الجنوب مسؤولية سيناريو صنعه غيره على مدى سنوات.
الواقع يفرض الاعتراف بأن الانفصال لم يعد احتمالا مستقبليا، الواقع يعكس حالة قائمة فعليا.
وما لم يعاد بناء مشروع وطني عادل على أساس الشراكة والاعتراف والإنصاف، فإن الحديث عن وحدة سيبقى مجرد خطابا لايسنده واقع، ولا تحميه إرادة سياسية مهما بلغ صدقها.















