كتب .. ياسر المقبلي معرار
الجلجل في لحج ليس مجرد محصول زراعي بل هو حكاية ممتدة تبدأ من أول يوم سلق ولا تنتهي إلا بإكمال النكاسة مرورا بكل الطقوس التي ترافقه والتي لا تزال حاضرة في ذاكرة كبار السن كانت هذه العمليات تجري بعناية فائقة يجتمع فيها الرجال حول الدهل ويتعاون فيها المزارعون والضميد والنفاش والذلاح والشقاية، في لوحة تراثية لا تتكرر إلا في تلك البقاع الخصبة.
*السلق… بداية الرحلة*
في لحج يبدأ موسم الجلجل بعملية السلق بالبقر وهي خطوة تراثية أصيلة كان يحرص عليها منذ عشرات السنين.. كان المزارعون يخلطون ذري الجلجل بـ النيس لتسهيل عملية الذر ثم يجرون البقر حول الدهل مرددين بسم الله قبل العمل، في جو يختلط فيه جهد الجسد بخشوع الروح.
ومع ظهور الحراثات الحديثة أصبح تقسيم الدهل مربعات أسهل إلا أن المزارعون حافظوا على كثير من عاداتهم مؤمنين بأن للأرض أسرارا لا تخالف.
*النفاش… سيد الريح*
من أكثر مراحل زراعة الجلجل دقة هي مرحلة النفش.. فالنفاش في لحج شخصية محورية يراقب الريح بعين خبيرة فإن اشتدت أوقف العمل وإن هدأت عاد ليفرش الجلجل نفشا يليق بمحصول طال انتظاره.. ويستمر هذا العمل أياما، حتى تأتي مرحلة التنبت التي يتأكد فيها المزارع من نجاح الإنبات ثم يظل ملازما لأرضه حتى يحين يوم الحتوت أو يوم النتيخ، إيذانا باقتراب الحصاد.
*الشونة… وطقوس الانتظار*
بعد حصاد الجلجل يترك في الشونة ما بين خمسة عشر إلى عشرين يوما وهي فترة انتظار لها رهبة في وجدان المزارعين ففي تلك الأيام تراقب الشونة بعين لا تغفل استعدادا لمرحلة النكاسة التي تعد من أكثر مراحل العمل ارتباطا بالذاكرة الشعبية.
*النكاسة… مهرجان العمل والفرح*
تقام النكاسة في لحج بروح جماعية فريدة يحفر التابوت ويفرش الطربال ثم تبدأ الفرق الشعبية من الشقاية بدفع الشونة وهم يرددون عبارتهم المعروفة:
حنش تحذيرا من احتمال وجود أفعى تحت الكومة.
وتعلو الهتافات والزغاريد والضحكات ويقولون في أثناء العمل: “لابكه… أعطوه شونة… لابكه… حمر عيونه!”
وهي عبارات تهدف للتسلية وبث الحماس وترافقهم طوال عملية قلب الشونة ورفعها وتنظيفها من القشة.
ثم يأتي دور الذلاح الذي يراقب الريح بدقة ويرمي الملع بعيدا ليبقى الجلجل نقيا وبعد اكتمال الذلاحة يبدأ الكيل ويقسم المحصول بين المزارعين بحسب جودة الأرض فيما يعطى الشقاية نصيبهم ويستخدم السرد والملع كعلف للماشية وتأخذ النساء الجرس وقودا للنار.
*الجلجل… ذاكرة لا تنسى*
لا تزال هذه الطقوس محفورة في ذاكرة أبناء لحج يرويها كبار السن وتتناقلها الأجيال باعتبارها جزءا من الهوية الزراعية والحضارية للمحافظة فالجلجل أكثر من محصول إنه تاريخ ووجدان وروح.
*شكر وتقدير*
نتقدم بجزيل الشكر والتقدير للأستاذ جمال سالم من اهالي منطقة العند بلحج الذي زودنا بمعلومات قيمة ساعدتني على توثيق تاريخ لحج القديم كونه من الجيل الذي عاش تلك الفترة وعرف تفاصيلها عن قرب ولولا جهود أمثاله لضاعت كثير من ملامح التراث الزراعي في جيل تتسارع فيه التغيرات.















